السيد الخامنئي

11

دروس تربوية من السيرة العلوية

أمّا الذين وصلوا من مرحلة العلم إلى مرحلة الإيمان ، ومن مرحلة الإيمان إلى مرحلة الشهود ، ومن مرحلة الشهود إلى مرحلة الفناء في اللّه ، أولئك تتجلى عظمة اللّه تعالى أمام أبصارهم بشكل تتضاءل أمامه قيمة كل عمل صالح يعملونه ، ويشعرون على الدوام وكأنهم لم يعملوا عملا صالحا ، وأنهم مدينون لله تعالى « 1 » . « ولقد اعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه اللّه والنجاة من النّار مما كدّ بيديه ورشح منه جبينه » أي أنّ الأموال التي أنفقها على عتق أولئك المماليك لم يحصل عليها بالمجّان ، وإنما حصل عليه بتعب يديه وعرق جبينه وبالعمل الشاق ؛ سواء في عهد الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله أم في فترة الخمسة وعشرين سنة ، أم في عهد خلافته ، إذ يستدل من بعض الآثار والدلائل أنه كان يعمل أيضا في زمن خلافته ؛ فكان يحفر القنوات ويحيي الأراضي ويزرعها ويحصل على المال من هذا الطريق ثم ينفقه في سبيل اللّه ، فكان يشتري العبيد ويعتقهم ، وأعتق على هذا المنوال ألف عبد . « وإنه كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة » . أي أن طعامه العادي الذي كان في داره هو الزيتون والخل والتمر من الدرجة المتوسطة أو الرديئة ، وكان طعامه يشبه الخبز واللبن أو الخبز والجبن في عرف مجتمعنا في الوقت الحاضر . « وما كان لباسه إلّا الكرابيس ، إذا فضّل شيء عن يده من كمه دعا بالجلم فقصّه » « 2 » . أي أنه لم يكن يرتضي لنفسه حتى الزيادة في الأكمام ، وإذا زاد القماش عن ذلك دعا بمقص فقصه لكي يستخدم ذلك القماش في خياطة شيء آخر ؛ لأن القماش كان قليلا في ذلك العصر وكان الناس يواجهون مشكلة في الحصول عليه .

--> ( 1 ) ورد عن أمير المؤمنين عليه السّلام في وصفه للمتقين : « عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم » . ( 2 ) موسوعة أحاديث أهل البيت عليهم السّلام : 5 / 207 .